لا تجعلها تمضي بعمرك من غير أن تستفيد في ترويضها وتفوّتُ عليك السّنين من غير تحقيق، وجرّدها من حظوظها الباطنية -وليس الشرط الظاهرية منها- جرّدها عند كلّ إقبالٍ وعملٍ من حظوظها بالتفرّس في حوافزها وجوائزها وعواقبها.
إشكالُ كثيرٍ من النّاس غلبةُ الحسّ عليهم والانفعال الماديّ الظاهريّ من كثرة مخالطة النّاس ومعاملتهم والأخذ والردّ معهم .. حتى تصبحَ حياة الإنسان مقصورةً على هذا التعامل الظاهري السطحي .
ويصبحُ المرءُ كالآلة في المعاملات ، وتصبحُ أولوياتُه هي المعيشة الماديّة . الشغل والمال والعيال وعشراتُ المشاغل والمشاريع في رأسه .. كلّها قائمةٌ على المادّة والمحسوس الظاهريّ. أيّام وشهور وربّما سنوات في الكدح والمعيشة والظاهر والتعب .. نعم يؤدّي فرائضه لكن كالآلة وكالواجب .
صارتْ عباداته من جملة مشاغله الماديّة وجدول يومياته يؤدّيها بغرض تسجيل أنّه أدّاها وسقط تنبيهُها الانفعالي في الدماغ والعقل بدون أن يقيمَ روحها وحقيقتها.
هذا الشكل وهذا النمط يحتاجُ أوّلاً أن يستيقظ لما هو فيه من غفلة عظيمة . وهذا الاستيقاظ ليس سوى الانتباه لحقيقة الإنسان ومواهبه التي أودعها الله فيه. والتذكّر لوظيفته الأولى التي خلقه الله من أجلها.
الله خلقنا كي نعبده ونتعرّف إليه ، هكذا فسّر العارفون والعلماء آية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .. فسّروا العبادة بالمعرفة.
والقصدُ بالمعرفة أن نعبد الله بروح العبادة لا بالظاهر والطقوس فقط وقلوبنا غافلة لاهية عن الله.
فإذا عرف الإنسان أنّ الله خلقه لغرض العبادة والمعرفة والتوجّه له في حياته والإنابة إليه .. عرَفَ أنّ الاحتجاج بالمعيشة ومشاغلها وبالعيال وهمومهم والحياة وأعبائها والظروف وقسوتها أو غير ذلك احتجاجٌ ملبّسٌ وزيادة غفلة وتبرير لما هو فيه من انحراف وحياد عن صراط الله المستقيم.
فإذا وقفتَ على حقيقة الدين ، بل على حقيقة وجودك في الحياة .. طاشتْ عنك أشكالُ التبرير الواهية والاحتجاجات الباطلة ..
هناك بعد تلك اليقظة والانتباه لحقيقة وجودك .. سوف يأخذك التساؤل عن الروتين الذي فرَضْتَه على حياتك ويومك وساعات نهارك وليلك ؟؟
وسوف يأخذك التساؤل إلى مواهبك التي تتمتّعُ بها وقدراتك التي حباك الله بها؟؟
إذا كنتَ تعيشُ بها وتجعلُ بها حياتك ممتعةً وفاعلة أو كيفما شئت .. فتلك المواهب والقدرات إنّما أودعها الله فيك كي تعبده وتعرفه وتسخّرها لحقيقة وجودك الكبرى.
مواهبُك هي خيالُك وفكرك وعقلك ووجدانك الداخليّ .. عالمُك الداخليّ الكبير .. تلك هي حقيقتُك.
لمّا جعلتها في خدمة معيشتك وحياتك الظاهرية وكدحك وشغلك ومتعتك كانت تشتغلُ في تلك الوجهة .. ومسخّرة لذلك الأمر الذي أقمتَهُ فيها.
ونفسُ تلك المواهب وذلك العالم الداخلي الكبير .. يُمكنك أن تسخّره لله وتجعلَهُ محلّ خواطرك نحو الله ، وتجعل عباداتك التي تؤدّيها بدل أن تقفَ عليها وقفة عابرةً سطحية وآلية وروتينية ، تجعلها حيّة بمعاني العودة إلى الله والرجاء في رحمته والإقبال عليه.
من غير أن تضطرّ إلى تغيير ظاهر كبير.
هي حياتُك نفسها وشغلك وعيالك وأهلك وأصحابك من حولك وحيّك ومدينتك ولكن بدل أن تعيش غافلاً لاهياً مسلوب الفؤاد ضائعاً في المادّة والشغل والمعيشة وحياة بلا معنى ولا هدف.
تجعلُ حياتك الداخليّة حيّة متفاعلة منتبهة لله ، ليس بينك وبين الله سوى تلك النيّة بداخلك تنظرُ بها إلى الله وتُقبلُ على عبادتك وتراقبُها وتجعلُ من ركوعها وسجودها ومعناها رجاء في الله وسجوداً حقّا لله وخضوعاً له .. وتوكّلاً عليه.
وتجعلُ من خيالك الذي كان يعملُ في السابق طوال ساعات يومه في الدنيا والشغل والمشاغل والأمور الأخرى .. تجعلُ منه يدورُ في رجاء الله ورحمته والخير فيه وكلّ المعاني التي تذكّرُ بالله سبحانه.
وفكرك ووجدانُك وهكذا .. تلك هي مواهبُك التي حباك الله بها كي تتعرّفَ بها إليه ، وتلك هي المواهب التي بها تجعلُ حياتك تختلف وترتفع ارتفاعاً لا نظير له عند الله .. ألا ترى أنّك إذا ذكرتَ الشيء في خيالك وقلبك استحضرتَهُ بمجرّد ذكره والاشتغال به ؟؟
فالله سبحانه عزّ وجلّ يقول في الحديث القدسيّ ( أنا عند ظنّ عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خيرمنهم).
فانظرْ فالله أسرعُ ذكراً وأعظم سبحانه وهو الحيّ القيّوم لا تأخذه سنة ولا نوم ، فإن ذكره العبدُ في نفسه ذكرَ الله ذلك العبدَ في نفسِه .. فارتفع العبدُ بذكر الله له عن الحظوظ والدنيا .
بمجرّد استحضارك لله في فكرك وخيالك وذاكرتك .. فالله يذكرك لأنّك ذكرتَ الله فاستحضرتَه وهو أسرعُ منك ذكراً وأعظمُ ، وذكرُه لك غير ذكرك له. ذكرُه لك يرفعُكَ من دنياك وهواك وهمومك إليه عزّ وجلّ.
بتلك المواهب التي نضيّعُها في المباحات تارةً وفي التوافه تاراتٍ نغيّرُ بها أشكال معاملاتنا اليومية وعباداتنا من غير تغيير ظاهر كبير.. ولكنّ التغيير الباطن هو الذي سوف يُحدثُ في ظاهرك التغيير شيئاً فشيئاً .
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.
مواقع النشر (المفضلة)