بسم الله الرحمن الرحيم
"كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة"
تحبون اقتطاف الثمار قبل الحرث والبذار والحصاد، وتذرون العمل والجهاد وانتظار وقت الميعاد.
تحبون الدنيا الفانية والمحرمات التافهة السهلة واللذات المنغَّصة العاجلة، ولا تصبرون لنيل الجنة الباقية والجوائز الغالية والمقامات العالية وإن كانت آجلة.
تحبون الأكوان الظاهرة التي تظهر لأبصاركم بسرعة باهرة، وتذرون الإله الباطن الذي لن تبصروه إلا بعد تسكين المتحرك وتحريك الساكن.
تحبون عالم الملك والشهادة المشهود وتذرون عالم الغيب والملكوت.
تحبون عالم الغيب والملكوت وتعجز هممكم عن التحليق في عالم الجبروت.
تحبون الأحوال السنية السريعة ولا تصبرون للرسوخ في المقامات وحصونها المنيعة.
تحبون جمال أنسه وحنان بسطه وتذرون الصبر على صده وقبضه لنيل قربه.
تحبون جهل قريب مرادكم وتذرون حكمة بعيد مراده، فتنازعونه صفاته وهو العدل الحكم من حيث لا تشعرون وتظنون أنكم واصلون!
تحبون اختياركم وتذرون اختياره. فمَن عندكم الأعلم؟ وتظنون أنكم من صفوته ومن بين خلقه الأكرم!
تحبون من الفور نيل المواهب وتذرون اتباع المذاهب فتلقون سنين في الغياهب كي تعلموا أين الآيب من الهارب وأين الحاضر من الغائب ولترجعوا من الهروب إلى الإياب وتعودوا إلى الحضور من الغياب. وتدركوا أنكم خلطتم بين الحقيقة والسراب.
تظنون البعيد قريبا والقريب بعيدا لانطماس بصائركم والاحتجاب بحسكم فتحبون البعيد وتذرون القريب
وتتجمدون عند آثار صفاته ولا تعلمون أن في أبدانكم نفخة من روحه وفي قلوبكم سرا من ذاته. فهلا فتشتم في القلوب لتروا كل محبوب، كلا فإن لمثل ذلك الفتى العجيب والفقيه الأريب.
تحبون ادعاء المقامات وسرقة الأحوال من الكتب والأوراق السهلة المنال التي تشترى بالمال، فمن السهل أن تشتري ولكن من الصعب أن تتبع الجنيد والتستري، والكرخيّ والسري، فأولئك الرجال الذين كانوا يكتمون الأحوال حتى من أنوفهم الدم قد سال، وفي الانتساب إليهم واتباعهم يكون النوال.
تحبون أن يستجيب لكم كما تريدون ووقتما تريدون وإذا تأخر عنك تيئسون، وعن الدعاء تحجبون، وتنسون كم طلبكم فتأخرتم عنه متجاهلين، وكم دعاكم لما يحييكم ولا تستجيبون. ولكنه الكريم وأنتم الباخلون يجيبكم بأحسن مما تطلبون من حيث تدركون ولا تدركون وفي الوقت الذي يعلم أنكم فيه تنتفعون. فإلى أين تذهبون؟ تريدون منه الخير فاسألوه وتأدبوا، والإلحاح تعودا وبالصبر تجملوا فإنه بالصبر مربيكم وبالانتظار وعبودية الطلب مرقيكم ولن يخذلكم أو يشقيكم كلا ولن يودعكم أو يقليكم فأنتم عياله ومنه وبه وليس مصيركم إلا إليه فأحسنوا به الظنون وتوقعوا منه لكم إحدى الحسنيين وترقبوا غيث السماء .. من قوله (أنا عند ظن عبدي، فليظن بي عبدي ما يشاء).
تريدون منه كل شيء قبل أن تصبروا على صراطه المستقيم. فاسلكوا الصراط واقطعوا منه بعض الأشواط بالصدق والإخلاص ومجالسة أهل الذكر والاختصاص تجدوه لكم حافظا، ولهممكم رافعا، فيجيبكم كلما دعوتم، وتجيبونه كلما دعاكم لما يحييكم.
خلقتم من عجل فتخلقوا بخلقه فهو الصبور الحليم، ولا تكونوا في لبس من خلق جديد فإن ربكم القدير ذو العرش المجيد فعال لما يريد.
ذروا العاجلة وأحبوا الآخرة فإنما هي سويعيات وأيام وينجلي عنكم هذا الظلام فعلام كل هذا الاغتمام وفيم كل هذا الاهتمام!
تريدون الجذبة الإلهية الخاطفة وتكرهون الأسباب المرجفة الراجفة فتطلبون بذلك العاجلة قبل الآخرة وما هكذا تجري السفن الماخرة. ارتجفوا فقريبا تكون الفرحة لترشفوا من وداده الرشفة تلو الرشفة وتكرعوا منه كرعا يستأهل منكم الرجفة تلو الرجفة.
الجذبة حاصلة لمن قفز عن الفاصلة وأما من تعثر بين السطور فمن أين له ذيّاك الحبور؟!
الجذبة آخرة لا عاجلة وهي بإذن الله حاصلة ولكن بعد النافلة فانظروا تلك القافلة فهي إليه قافلة.
لا تقفوا عند اللغة المسطورة القريبة وانفذوا إلى بواطنها الخفية العجيبة فالرسم عاجل والمعنى آخِر. بالعاجل يتفاصح المتفاصحون ويتصايح المتشدقون وبالآخر تملأ الأقداح وتفرح الأرواح في حدائق غيبية ذات بهجة ذهبية وجنة دربية لا شرقية ولا غربية ثمارها دانية بأجنحة حانية وفردوس رابية ما فيها من هاوية.
العاجلات ظاهرات ميتيات مظلمات بدون رؤية نوره، والآخرات إشارات منيرات للحياة بنوره. فزركش بالإشارات سماء حياتك واهتدي بنجومها لما في قلبك من جناتك. تعرف هذا المعنى الخفي وتنحسر لك جبال الأكوان عن الكنز المخفي.
عش في الدنيا عيش الآخرة إذ لا عيش إلا عيش الآخرة ليرحم الله أنصار قلبك والمهاجرة. مهاجرة قلبك خطواتك للتقرب إليه فلا تجمدها. وأنصار قلبك هممك في المسارعة إليه فلا تئدها.
العاجلة ألوان ورسوم وطعوم ومشمومات وملموسات فانيات من عالم الكون والفساد، والآخرة معان وإدراكات ومعقولات وروحانيات من عالم البقاء والاتحاد.
العاجلة حركتك بنفسك والآخرة ترويك ليحركك ربك.
العاجلة طمعك وجهلك والآخرة صبرك ونيلك.. وصبرك نصف إيمانك. وإيمانك الفرق بين باطلك وحقك وعدمك وكونك.
العاجلة هدم والآخرة بناء. العاجلة هدم بناء معراج قبولك والآخرة تصعيد بناء مرقاة وصولك.


رد مع اقتباس



مواقع النشر (المفضلة)